عبد العال سالم مكرم
156
من الدراسات القرآنية
من أجل تعدد المصاحف بجانب مصحف أبى بكر وانتشار القراء في الأمصار تعددت القراءات وثار الجدل ، واحتدم النزاع ، واتسعت الفروق بين القراءات ، وأطلّت الفتنة برأسها على كتاب هذه الأمة فهيأ الله الخليفة الورع عثمان بن عفان ليقضى على كل فتنة تحاول أن تمس جلال القرآن الكريم . وبتوفيق اللّه وإلهامه قام عثمان رضى اللّه عنه بالمرحلة الثالثة لتوثيق نص القرآن الكريم وهي المرحلة الأخيرة التي امتدّت إلى عصرنا هذا وستمتد إلى العصور الأخرى حتى تقوم القيامة وها نحن أولاء نطرق باب الحديث فيها . توثيق النص القرآني في عهد عثمان رضى اللّه عنه . « حدث ابن شهاب عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان ، وكان يغازي أهل الشام مع أهل العراق مع فتح أرمينية وأذربيجان فأفزعه اختلافهم في القراءة . قال : يا أمير المؤمنين : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود والنصارى ، فبعث عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ، ثم نردها عليك فأرسلتها إليه ، فأمر عثمان زيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوا الصحف في المصاحف » « 1 » . فلما تم لهم ذلك ، ونقلت الصحف في المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق مصحفا من تلك المصاحف التي نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق » « 2 » . على ضوء هذا النص يتضح لنا أن هذه المرحلة في الحركة القرآنية التي قام بها عثمان رضى اللّه عنه امتداد للمرحلة السابقة التي قام بها أبو بكر ، بيد أن الجديد في حركة عثمان أنه جمع الناس على مصحف واحد ، وحرق ما عداه على حين كانت مصاحف كبار الصحابة تقرأ في عهد أبى بكر ، وكانت مصونة لا تمس . ومن هنا وجهت موجات من النقد لعثمان رضى اللّه عنه وحاولت بعض كتب الطبقات والتاريخ أن تجعل من ابن مسعود مصدرا لهذا النقد ، فقد قال ابن شهاب : « أخبرني عبد اللّه ابن عبد اللّه بن عتبة أن عبد اللّه بن مسعود قال : يا معشر المسلمين أعزل عن كتابة المصحف ،
--> ( 1 ) مقدمتان في علوم القرآن ص 18 - 19 . ( 2 ) المرجع السابق والصفحة .